بيت الطاهرة واقربائها ( جزء 5)

سافرتُ من بغداد الى قزوين في ايران في يناير 1930م على نفس طريق القافلة التي سلكته ذات مرة جناب الطاهرة، البطلة الالهية الشهيرة، ودخلت المدينة التي نشأت فيها. كانت روحي توّاقة لمعرفتها عن قرب! وتمنيت مشاهدة البيت الذي ولدت فيه في قزوين، لكن الاصدقاء أخبروني انه شيء مستحيل، فأقاربها مسلمون متعصبون، ولأنهم سابقاً كانوا مستائين جداً منها ومن الدين الذي أنشأه حضرة الباب، بقي الناس يعتقدون ان هذه الكراهية ما زالت معلقة بالديانة البهائية.

كان صاحب فندق جرانت هوتيل الذي نزلت فيه واقفاً على باب الفندق، فإذا به يشاهد أحد أقرباء جناب الطاهرة ماراً من أمامه، فدعاه للدخول وقدّم له كوباً من الشاي وقال له ممازحاً: “على عائلتكم أن تخجل منكم. إنكم مثل طين أسود ظهرت منه وردة نرجس! إن جدتكم الطاهرة محبوبة في كل بلدان العالم، إلا انكم لا تظهرون أي بادرة تقدير لها. لديَّ ضيفة أمريكية في فندقي مشتاقة جداً لمشاهدة البيت الذي عاشت فيه الطاهرة ذات يوم.

أجاب القريب: ان كانت تريد رؤية بيت الطاهرة، فسآخذها أنا اليه.

أجاب صاحب الفندق بتعجب: لا، لا يمكنك أن تفعل هذا!

أجاب القريب: نعم، يمكنني، وسوف أفعل.

وهكذا حصل، وذهبت مع صاحب الفندق والقريب المسلم الى البيت التاريخي لتلك المرأة الشابة الشهيرة. كان مكاناً كبيراً جميلاً بنوافذ مزخرفة، ويبدو انه كان في زمانه من أجمل المساكن في مناطق ايران في تلك الأنحاء. أطلعني القريب على جناح السيدات في القصر حيث ولدت جناب الطاهرة، ثم أخذني الى مكتبة جميلة رائعة في الطابق الثاني حيث كانت الطفلـة الصغيرة تجلس للقراءة. البُنيّة التي أصبحت فيما بعد شاعرة وأول شهيدة في آسيا الوسطى من أجل تثـقيف ومساواة المرأة ونزع الحجاب! أطلعني على السجن والقبو للقصر العظيم حيث سجن الوالد ابنته، لكن القريب قال بلطف: إن والد جناب الطاهرة كان يحب ابنته الموهوبة رغم انه كان يختلف معها بشدة في المعتقدات الدينية، ولقد سجنها في بيته الخاص محاولاً حمايتها من وحشية أولئك الذين كانوا مسـتعدين لكيّها بالسياخ لانتمائها الى الديـانة البابية المكروهة، لكنه حتى هو، لم يستطع حمايتها، فلقد جاءوا وأخذوها بعيداً الى سجن المدينة.

عندما سجدتُ لأقبّل أرضية غرفتها وأصلي، حضر جميع أقاربها ووقفوا صامتين. لقد كانوا ودودين ومحترمين. وحال خروجي من غرفتها العزيزة، قال لي ذلك القريب: إنك أول بهائية تأتي من الغرب وتسأل عن الطاهرة وتشاهد بيتها وأحفادها.

فأجبته: لم يأت أحد من قبل لعدم امتلاكه الشجاعة الكافية! أقول لك الحقيقة، كنا خائفين جداً منكم جميعاً!

فقال لي هذا القريب بعد الصلاة والدموع تترقرق في عينيه: انني لست ضد الطاهرة، إنني أشعر انه لشرف لنا أن نكون أحفاد مثل هذه العائلة النبيلة. ان والدتي هي الأخت الصغرى للطاهرة.

بعدها، عاد معي الى الفندق وكان بيننا حديث طويل، وفي ذلك اليوم بدأت علاقة صداقة حميمة بين أحد أحفاد جناب الطاهرة وبهائية من الغـرب. إنني أشتاق الى تلك الذكريات اللطيفة المقدسة والى رؤية ذلك المحامي الرائع قريب جناب الطاهرة يقف مع البهائيين وهو يقول: “الله أبهـى”. كان ذلك بالنسبة لي وأنا خارجة من ايران مفعمة بالطاقة الروحانية والجسدية وهو واقف بينهم كمثال للوحدة التامة وكقوس قزح رائع النور ظهر في السماء فوق رؤوسنا؟

وتذكرت العديد من الأحداث التي أخبرني بها هذا القريب عن جناب الطاهرة، وكتبت كذلك بعناية كل ما قاله لي أحفاد البهائيين عنها، فأقدمه لكم رغم اختلاف التفاصيل، إلا ان الأحداث تُظهر نفس النور المشرق عن هذه المرأة البهائية الأولى، “حضرة جناب الطاهرة”!

المرجع:

 الطاهرة اعظم امراة ايرانية- بقلم مارثا روت ترجمة سيفى سيفى

الأوسمة: , , , , , , , , ,

2 تعليقات إلى “بيت الطاهرة واقربائها ( جزء 5)”

  1. thelightway يقول:

    كانت السيدة العظيمة قرة العين من اعظم نساء التاريخ ويشهد جميع من عاصرها بذلك وكانت بنات سنها تحسدها على المقام الرفيع الذي تبوأته بسرعة عجيب من حلاوة الشعر وقوة البيان
    لقد اختارها الله سبحانه وتعالى لتكون من حروف الحي وشربت كأس الشهادة بكمال الصبر والتسليم

  2. عاطف الفرماوى يقول:

    لقد كانت قرة العين الطاهرة ( زرين تاج ذات الشعر الذهبى ) مثالاً حياً يعبر عن تحرير المرأة ولو لم تكن مزودة بطاقة روحية هائلة من السماء ما استطاعت أن تقف أمام جحافل الرجعية الدينية وصور التخلف الحضارى فى عصرها حتى قدمت روحها الطاهرة قرباناً على مذبح الشهادة لتسطر تاريخاً روحياً جديدا وتطوى صفحة من الجمود والطغيان ضد المرأة الذى يمثل عاراً للانسانية مارسته المؤسسة الدينية الرجعية المتخلفة فترات تاريخية متلاحقة حتى أصبح الشكل بديلاً عن الجوهر ففسدت أخلاق العامة والنخبة وتقهقر الضمير الانسانى وفسد ملح الأرض وأصبح ماؤهم غورا .. فجاءت لهم قرة العين بماء معين من شربه لا يظمأ أبداً وتخرج من بطنه أنهاراً الى الجنة .
    ذهبت قرة العين الطاهرة لقاتليها فى شجاعة منقطعة النظير اعلاءاً لروح المبادئ العظيمة التى تعتنقها لتعطينا المثل والنموذج لمعنى الفداء .
    وقد قال فيها أعداؤها ما قالوه على السيدة مريم العذراء تعبيراً عن نقائصهم وعاشت قرة العين الطاهرة فى قلوب المؤمنين ومات الذين ناصبوها العداء وقد كانوا موتى فى قبور أجسادهم قبل موتهم جسديا أما قرة العين الطاهرة لها نوراً يسعى بين الناس بذكريات عطره تفوح من ذكراها عبر ودروس .. فى جنة الخلد يجمعنا بك الاله وتكون الدينونة لمن عاداكى .. اذكرينا يا قرة العين أمام عرش النعمة واصفحى عن ضحايا الجهل والغباء رب اهدى قومى فانهم لا يعلمون ..

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.