ان الحدث التالي والمهم جداً في تاريخ هذا الأمر هو مؤتمر بدشت. ومن المحتمل ان تسأل، اين تقع بدشت؟ انها تقع بين طهران ومازندران في مصيف منعزل تتخلله الحدائق والاشجار وتقع فيه بعض البيوت. وكان يستعمل كدار استراحة صيفية للنبلاء. انه أجمل مكان طبيعي اختاره حضرة بهاءالله للتشاور مع اتباع حضرة الباب، فلقد كان هادئاً وتنتشر حوله الحدائق الجميلة، وكان للحدائق الثلاث التي استأجروها فسحة واسعة في وسطها. وهناك كان بامكانهم التشاور بحرية، لقد كان من الخطورة بمكان عقد مثل هذا التجمع في طهران. ومن المحتمل ان المؤمنين توقفوا في هذه القرية وهم في طريقهم الى خراسان.
أرسل حضرة بهاءالله جناب الطاهرة الى بدشت مع الخدم والتجهيزات والمال اللازم لجماعتها. وبعد عدة أيام، ذهب بنفسه الى هناك، وكذلك ذهب حضرة القدوس. استأجر حضرة بهاءالله ثلاث حدائق، خصص الأولى لحضرة القدوس فقط، وجهّز الثانية لجناب الطاهرة ومرافقيها، واحتفظ بالثالثة لنفسه. ونصبت خيام الاحباء في الساحة الوسطية. وكانت خيمة حضرة بهاءالله من خيام عائلات الوزراء، لأنه كان ابن وزير.
تعجب أحد الخدم في اليوم الاول عند مشاهدته إمرأة في هذا المكان تنصح وتخاطب العديد من الرجال – حتى من وراء حجاب – وكانت كلماتها تظهر أهمية قداسة هذا المؤتمر، فقالت له: “إن موضوعنا عن اللـه، عن الدين، عن الامور الروحانية، وفوق كل ذلك تقديم حياتنا في سبيل الحقيقة. إعلم ان أية خطوة نتخذها هي في سبيل الله. فهل أنت مستعد لإتباعنا؟” كان في كل يوم يقدم واحداً من اولئك الجمع خطبة عن أمر حضرة الباب.
وأقتبس من كتاب “مطالع الأنوار” الفقرة التالية:
كان عدد المجتمعين في بدشت 81 نفراً ومن وقت حضورهم الى يوم تفرقهم كانوا ضيوفاً على حضرة بهاءالله، وفي كل يوم كان يعطي ميرزا سـليمان النوري لوحاً يقرأه بترتيل في مجمع الاحباء الحاضرين. وكان يسمي كل فرد منهم باسم جديد. وتسمّى هو أيضا بالبهاء وسمّى آخر حروف الحيّ بالقدوس وسمّى قرة العين بالطاهرة وصدر لوح من حضرة الباب لكل من اجتمع في بدشت وصدر بالاسم الذي تسمى به أخيراً وكان بعض أتباع جناب الطاهرة من المحافظين على التقاليد القديمة قد اشتكوها فيما بعد الى حضرة الباب مدعين عليها بالخروج على التقاليد القديمة، فأجابهم حضرة الباب على ذلك بقوله (ما الذي أقوله عن من أسماها لسان العظمة بالطاهرة). وفي كل يوم من ايام ذلك الاجتماع المشهود كان يلغى تقليد من التقاليد المعروفة.
وقد وصف المؤرخ الفرنسي المسيو نيكولاس هذا الاجتماع وقال انه استمر لعدة ايام. وكانت النقاشات تدور بمجملها حول موضوع الانتقال من التعاليم القديمة الى تعاليم حضرة الباب الجديدة.
وحسب ما ذكره حضرة عبدالبهاء في “تذكرة الوفاء” (انه في وقت انعقاد هذا المؤتمر في بدشت، لم يكن حضرة الباب قد أعلن نفسه بعد عن المرحلة النهائية من ظهوره انه القائم، فقد أعلن في البداية انه الباب، الا ان القائم تعني انه الإمام الموعود. ولقد عمل حضرة بهاءالله وحضرة القدوس وجناب الطاهرة الترتيبات الضرورية للاعلان التام عن مقام حضرة الباب وعن إلغاء عدد من التشريعات والأصول الاساسية).
ذات يوم كان حضرة بهاءالله مريضاً بالحمى وبقي في خيمته – في الحقيقة كان في ذلك حكمة – فخرج حضرة القدوس من خيمته وذهب لزيارة حضرة بهاءالله، فأرسلت جناب الطاهرة رسالة شفهية الى حضرة القدوس تطلب منه الحضور اليها، وعندما رفض الاستجابة لطلبها، جاءت بنفسها الى حديقة حضرة بهاءالله، سافرة الوجه وهي تقول لهم ان الظهور الجديد قد ظهر. وحالما شاهد الحاضرون منظر هذه المرأة اضطربوا واستغربوا عند ادراكهم أعلان الأمر المبارك ومن إلغاء بعض القوانين القديمة. وقد دبَّ بين الحاضرين اضطراب شديد من هذا التصرف الذي لم يسبق له مثيل، لدرجة ان حضرة بهاءالله أمر أحد المؤمنين بقراءة سورة الواقعة من القرآن بصوت عال، وتتعلق معاني كلمات هذه السورة بيوم القيامة. وجاء فيها ان شيئاً استثنائياً سيقع في يوم القيامة. وعندما شاهد المؤمنون ما يجري، هرب جمع منهم ولم يقبلوا بالتغيير الجديد، بينما عاد آخرون الى محضر حضرة بهاءالله للسؤال عن حقيقة الموضوع. ويقال انه عندما نقل موضوع بدشت الى حضرة الباب، كتب يقول للمؤمنين بإتباع أوامر جناب الطاهرة، وخاطبها بقوله مستعملاً لقب “جناب الطاهرة”، ولقد استعمل حضرة عبدالبهاء هذا الاسم بدلاً من قرة العين في كتابه “تذكرة الوفاء”. ووصف الحاج ميرزا جاني في مذكراته قرة العين بـ “أم العالم”.
كان مؤتمر بدشت قصير المدة، وذكر ان فترة مكوث حضرة بهاءالله هناك كانت واحداً وعشرين يوماً. ان مواضيع المؤتمر المثيرة لفتت انتباه سكان المناطق المجاورة وأثارتهم، فهجموا على المجتمعين ونهبوا ممتلكات البابيين الذين لم يقاوموهم او يقاتلوهم. وهكذا قوطع المؤتمر وإنفض بلا نظام، كما وصف ميرزا جاني بدشت في ذلك الوقت.
حتى وقت طباعة كتاب “مطالع الأنوار” في سنة 1932م، قد يتساءل المرء عن سبب عدم حضور باب الباب (الملا حسين بشروئي) الى المؤتمر، ففي الفصل السادس عشر يتضح السبب، فهو لم يعلم شيئاً عن المؤتمر، وغالبية الاحباء الذين اجتمعوا هناك كانوا في طريقهم اليه في مشهد. وحتى في مذكرات ميرزا جاني يجد المرء سبباً! فباب الباب كان راغباً في التوجه من مشهد الى مازندران قبل عدة أيام من انعقاد المؤتمر الفعلي، وزار في يوم مغادرته تلك المدينة، مقام الامام الرضا بصحبة سبعين من أتباعه.
وإتفق ان حصل شغب بين أتباعه وسلطات المدينة، لذلك ارسل البرنس حمزه ميرزا وراء باب الباب واحتجزه لعدة أيام في معسكره. وحالما أطلق سراحه، جمع أصحابه وبدأ المسير. وعندما وصل الى قرب بارفروش وصلته أخبار وفاة محمد شاه. فأثار هذا الخبر حالة من الاضطراب الشديد في المملكة، وهوجم باب الباب وأتباعه بسبب ايمانهم بتعاليم حضرة الباب، وحوصروا في مقام الشيخ طبرسي، فلم يستطيعوا سوى الدفاع عن أنفسهم فقط، وكان من المستحيل عليهم مغادرة المكان، فهم لم يذهبوا الى هناك لبناء قلعة او لمحاربة المسلمين او محاربة الحكومة لا سمح الله. لقد حوصروا من قبل قوات الجيش.
كانت شرارة البداية قد انطلقت في أول الأمر من قبل أعداء الدين الجديد، وبسرعة ساندهم جنود الشاه. ولقد سبق وأن كتب حضرة القدوس قبل ذلك رسالة تنبأ فيها بظروف استشهاده هو وباب الباب، ويمكن للقاريء ان يفهم ما تبع ذلك في بقية المذكرات.